الثلاثاء، 9 يونيو 2026

الدب قادم من الجبل قصة قصيرة كتبتها: أليس مونرو (27 ديسمبر، 1999) ترجمة: مها جمال


عاشت فيونا في منزل والديها، في المدينة حيث جامعتها هي وجرانت. كان منزلاً كبيراً له نافذة تطل على خليج، ويعتبره جرانت منزلاً فاخراً وفاقداً للنظام بِبُسطه الملتوية على الأرضيات، وحلقات الأكواب المطلية بورنيش الطاولة.

كانت والدتها أيسلندية؛ امرأة قوية بزغب أبيض وميول سياسية يسارية ساخطة سابقاً. وكان الأب طبيب أمراض القلب، موقراً في المستشفى ولكنه في البيت كان خاضعاً بسعادة، حيث يستمع لتقريع زوجته الغريب بابتسامة شريدة.

كان لفيونا سيارتها الصغيرة وكومة من البلوزات الكشمير، لكنها لم تنتمِ لنادٍ نسائي، وربما كان نشاط أمها السياسي هو السبب، فلم يكن هذا من اهتماماتها. بالنسبة لها، كان النادي النسائي مجرد مُزحة، وكذلك السياسة؛ بالرغم من أنها كانت تحب تشغيل أسطوانتي "أربعة جنرالات متمردين" و"الدولي" على الفونوجراف وبصوت عالٍ، وتعتقد أن ذلك سيجعل أي ضيف متوتراً.

قال رجل أجنبي —ذو شعر أجعد ونظرة كئيبة— حين غازلها، بأنها تبدو من القوط الغربيين، وكذلك كان يبدو اثنان أو ثلاثة من الأطباء الشباب المتدربين؛ محترمين وقلقين. كانت تسخر منهم جميعاً، ومن جرانت بالمثل. كانت تكرر بسخرية بعضاً من عبارات مدينته الصغيرة. اعتقد جرانت أنها ربما كانت تمزح أيضاً عندما طلبت يده للزواج، في يوم بارد رائق على شاطئ ميناء ستانلي؛ كان الرمل يلسع وجهيهما والأمواج بحملها تلطم الحصى عند أقدامهما.

"هل تعتقد أنه سيكون أمراً مضحكاً—" صاحت فيونا. "هل تعتقد أنه سيكون مضحكاً لو تزوجنا؟"

في الحال رفعها، وصاح: "نعم". لم يشأ أن يبتعد عنها، لقد حصلت على بريق الحياة.

قبل مغادرتها للمنزل، لاحظت فيونا علامة على أرضية المطبخ. كانت ناتجة من حذائها الأسود المنزلي الرخيص الذي كانت ترتديه في وقت مبكر من اليوم.

"اعتقدت أنه قد توقف عن فعل ذلك"، قالت بنبرة عادية يسيطر عليها الضيق والحيرة، ونظفت البقعة الرمادية التي بدت كأنها جاءت من قلم شمع. ثم لاحظت أن ليس عليها أن تفعل ذلك ثانية، بما أنها لن تأخذ هذا الحذاء معها.

"أخمن أنني سأبقى مرتدية كل ملابسي معظم الوقت"، قالت. "أو مرتدية نصف ملابسي.. ستشبه الحياة في فندق".

شطفت الخرقة التي استعملتها وعلقتها على رف تحت المغسلة خلف الباب. ثم ارتدت جاكت التزلج البني الذهبي بياقة من الفراء على بلوزة بيضاء برقبة مدورة وبنطلون بني فاتح. كانت امرأة طويلة ذات كتفين ضئيلين، ذات سبعين عاماً لكنها ما زالت مستقيمة ومتوازنة، بساقين طويلتين وأقدام طويلة، برسغين وكعبين رقيقين، وأذنين صغيرتين بشكل مضحك.

كان شعرها أبيض مثل زغب عشبة اللبن، تحول من الأشقر الباهت إلى الأبيض دون أن يلاحظ جرانت متى بدأ هذا بالضبط، وما زالت تسدله على كتفيها كما كانت تفعل أمها. (كان هذا ما نبه أم جرانت، أرملة من مدينة صغيرة تعمل موظفة استقبال عند طبيب؛ فالشعر الطويل لأم فيونا يخبر بالكثير، ربما أكثر من الشِعر، عن حالة المنزل وعن المواقف والسياسة). لكن بصورة أخرى، كانت فيونا بعظامها القوية وعينيها الزرقاوين الصغيرتين لا تشبه أمها. لديها فم ملتوٍ قليلاً، والذي تؤكد عليه الآن بطلاء الشفاه الأحمر، وتحرص دائماً أن يكون آخر شيء تضعه قبل خروجها من المنزل.

في ذلك اليوم كانت تشبه نفسها؛ مباشرة وغامضة كما هي في الحقيقة، حلوة وساخرة.

منذ عام مضى، لاحظ جرانت الكثير من أوراق الملاحظات ملتصقة في أنحاء البيت. لم يكن هذا جديداً تماماً؛ فقد اعتادت فيونا أن تدون الأشياء التي فعلتها؛ عنوان كتاب سمعت عنه في الإذاعة، أو أعمال تريد أن تتأكد من فعلها في نفس اليوم. حتى جدول أعمالها الصباحي كانت تدونه، ووجد الأمر محيراً ومؤثراً لدقته: "7:00 ص يوجا. 7:30 - 7:45 وجه، أسنان، شعر. 7:45 - 8:15 تمشية. 8:15 جرانت والإفطار".

الملاحظات الأخيرة كانت مختلفة؛ ملتصقة بأدراج المطبخ: هذا لأدوات المائدة، هذا لفوط تجفيف الأطباق، وهذا للسكاكين. هل كانت لا تستطيع فتح الأدراج لترى ما بداخلها؟

أشياء سيئة كانت قادمة. ذهبت للمدينة وهاتفت جرانت من الكابينة لتسأله كيف تعود للمنزل. ذهبت لتمشيتها المعتادة عبر الحقول والغابات وعادت للمنزل بمحاذاة السور —طريق طويل. قالت إنها اعتمدت على الأسوار في طريقها إلى مكان ما.

كان من الصعب تخيل الموضوع. تحدثت عن الأسوار كما لو كانت مزحة، وتذكرت رقم الهاتف بلا متاعب.

"لم أعتقد أن الأمر يستحق القلق"، قالت. "توقعت أنني فقط أفقد عقلي". سألها إذا كانت تأخذ حبوباً منومة. "حتى لو كنت أفعل، لا أتذكر"، قالت. ثم اعتذرت لأنها بدت وقحة: "أنا متأكدة أني لم أتناول أي شيء. ربما كان يجب أن أفعل. ربما كانت فيتامينات".

الفيتامينات لا يمكنها المساعدة. كانت تقف عند البوابة تحاول أن تتخيل إلى أين ستذهب. تنسى أن تشعل الموقد تحت الخضروات، أو تضع الماء في إناء القهوة. سألت جرانت متى انتقلا إلى هذا المنزل.

"كان ذلك العام الماضي أم ما قبله؟" "منذ اثني عشر عاماً"، قال. "هذا صادم".

"كانت قليلاً ما تبدو هكذا"، قال جرانت للطبيب. لم ينجح في محاولاته لشرح حالة فيونا، وكيف كانت مفاجأتها واعتذاراتها التي أصبحت الآن مثل المجاملات اليومية، وليست مجرد إخفاء لتسلية خاصة، كما لو كانت تتعثر في مغامرة غير متوقعة، أو بدأت في لعبة تأمل أن يفهمها.

"نعم، حسناً"، قال الطبيب. "ربما تكون انتقائية في المرحلة الأولى. لا نعلم، أليس كذلك؟ حتى نرى نموذجاً لتدهور الحالة، لا نملك القول في الحقيقة".

لوهلة، كان من الصعب وضع عنوان لهذه الحالة. لم تعد فيونا تذهب للتسوق وحدها؛ اختفت من السوبر ماركت عندما أدار جرانت ظهره. وجدها شرطي بينما كانت تتمشى في وسط الطريق وتقف أحياناً. سألها عن اسمها وأجابته بسهولة، ثم سألها عن اسم رئيس الوزراء.

"لو كنت لا تعرف أيها الشاب، فإنك لا تستحق تلك الوظيفة ذات المسؤولية".

ضحك الشرطي. ثم ارتكبت خطأً بسؤاله إن كان قد رأى "بوريس" و"ناتاشا". كانا كلبي صيد روسيين وهما ميتان الآن، وقد تبنتهما منذ سنوات لصالح صديق، ثم كرست نفسها لهما لبقية حياتهما. تبنيها لهما تصادف مع اكتشافها أنها لن تنجب؛ هناك انسداد ما أو التواء في الأنابيب عندها —لا يتذكر جرانت هذا الآن، فهو يتجنب دائماً التفكير في كل ما يخص جهاز الأنثى—. أو ربما كان ذلك بعد وفاة والدتها.

الكلاب بأرجلها الطويلة وشعرها الحريري ووجوهها النحيفة اللطيفة المتصلبة كانوا رفقاء سيرها. وجرانت نفسه، في تلك الأيام، استقر في وظيفته في الجامعة (وثروة حماه رحبت بهما بالرغم من تلوثها بالسياسة)، وبدت للبعض أنها تم جمعها عن طريق بعض من نزوات فيونا الشاذة، تم إعدادها، ومراقبتها وتحويلها —وبالرغم من ذلك، لحسن الحظ، لم يفهم ذلك إلا من وقت قريب.

هناك قانون أنه لا يمكن السماح لأي أحد بالدخول إلى "بحيرة المرج" خلال شهر ديسمبر؛ فموسم الإجازات مليء بالمخاطر المؤثرة، لذلك فهم يقودون العشرين دقيقة في شهر يناير، قبل الوصول للطريق السريع لأن طريق البلدة منغمس بمستنقعات جوفاء والآن متجمدة تماماً.

فيونا قالت: "آه، تذكرت". قال جرانت: "كنت أفكر في ذلك أيضاً". "كان ذلك في ضوء القمر"، قالت.

كانت تتحدث عن مساء حين ذهبت للتزلج؛ كان القمر بدراً وعلى الطريق المخطط بالثلج، في ذلك المكان يمكنك أن تدخل فقط في أعماق المياه. قد سمعا صوت الأغصان تتشقق من البرد. إذا كانت تتذكر ذلك بوضوح وبدقة، هل سيعني هذا الكثير بالنسبة لها؟ كل ما كان يستطيع فعله ألا يستدير ويعود للمنزل.

هناك قانون آخر والذي شرحه له المشرف: أن المقيمين الجدد لا يمكن زيارتهم خلال الثلاثين يوماً الأولى؛ فمعظم الناس تحتاج لتلك الفترة ليستقروا. قبل ذلك القانون كان هناك الكثير من المناشدات والدموع ونوبات الغضب، حتى من الذين دخلوا عن طيب خاطر. في اليوم الثالث أو الرابع يبدأ النحيب والتوسل لإعادتهم إلى بيوتهم، وبعض الأقارب هم من يتعرضون لذلك، وبذلك يكون لديك أشخاص مقتادون من منازلهم ولن يستمروا. ستة أشهر وأحياناً بعد أسابيع قليلة فيما بعد كل المشاحنات ستتجدد ثانية.

"في حين أننا وجدنا"، قال المشرف، "أننا وجدنا إذا تركناهم على حالهم للشهر الأول فسينتهي الشهر سعيداً وبهدوء".

في الحقيقة، إنهم اجتازوا "بحيرة المرج" مرات قليلة منذ سنوات بعيدة لزيارة السيد فاركيوهار، جارهم الفلاح الأعزب العجوز، الذي عاش في منزل من الطوب مفتوح دائماً بلا تجديد منذ السنوات الأولى من القرن، فيما عدا ثلاجة وجهاز تلفزيون. الآن وبعد بيع منزل السيد، حل مكانه نوع البنايات التافهة والتي كانت مجرد بيت لقضاء نهاية الأسبوع لبعض الأشخاص من تورنتو. أيضاً البحيرة القديمة اندثرت، رغم أن إنشاءها كان في الخمسينات. المبنى الجديد كان واسعاً محدباً، وكان هواؤه معطراً بلطف برائحة الصنوبر الخفيفة، ونبتت خضرة وافرة وأصلية في بعض الأواني الفخارية العملاقة في الطرقات.

ومع ذلك، فقد أخذ جرانت صورة لفيونا عند البحيرة، خلال الشهر الطويل الذي لا بد أن يقضيه بدون أن يراها. كان يتصل بها يومياً ليطمئن أنها قد أصبحت في رعاية ممرضة اسمها كريستي. كانت مستمتعة قليلاً بثباته، لكنها ستعطيه تقريراً وافياً أكثر من أي ممرضة أخرى يلتصق بها.

أصيبت فيونا ببرد في الأسبوع الأول، قالت كريستي إن هذا ليس عادياً للقادمين الجدد. "مثلما يبدأ أبناؤك المدرسة"، قالت كريستي، "هناك مجموعة كبيرة من الكائنات الدقيقة يتعرضون لها لفترة بينما قد يلتقطون كل شيء".

ثم تحسن دور البرد، وانتهت من المضاد الحيوي ولم تبدُ مرتبكة كما كانت عندما دخلت. (كانت المرة الأولى التي عرف فيها جرانت عن العلاقة بين المضاد الحيوي والارتباك). كانت شهيتها جيدة إلى حد ما ومستمتعة بالجلوس في الحجرة المشمسة، وبدأت تتخذ صداقات جديدة، قالت كريستي.

عن الكاتبة: أليس مونرو؛ الأديبة الكندية التي نالت جائزة نوبل في الأدب عام 2013 عن قصصها القصيرة وهي في الثانية والثمانين من العمر. حصدت مونرو خلال مسيرتها الإبداعية الطويلة معظم الجوائز المرموقة في كندا، وأمريكا، وأستراليا، وهي أول كندية تفوز بنوبل للآداب، والمرأة الثالثة عشرة التي تدون اسمها في سجل هذه الجائزة العالمية.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق