مقامات الموت والتخلي: حين تخذل الجدران ساكنيها
"جدر البطاطا كان السبب يا ضنايا.."
تلك العبارة المشحونة بالأسى، التي جسدتها سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، تفتح باباً لأكثر قضايا الأدب الإنساني والاجتماعي تعقيداً. نقف خلف الجدران، حيث تلوذ النفوس المنكسرة بصمتها، وتخفي الغرف المغلقة أسراراً لم يرحمها العالم الخارجي. نقرأ اليوم مصائر نساء عشن ومِتن "بعد فوات الأوان". دُفعت المرأة مراراً إلى حافة الهاوية لتنقذ من تحب، أو لتجد مأوى يحميها، وحين زلّت قدمها، تحول من استغلوها إلى أول دافعٍ لها نحو القاع، متبرئين من أي صلة تجمعهم بها.
نقتحم في هذا المقال أربعة جدران صاغها عمالقة الفكر: يوسف إدريس، وطه حسين، ونجيب محفوظ. نتأمل مصائر: عزيزة، وهنادي، ونفيسة، وريري. أربع بطلات يجمعهن خيط درامي ونفسي واحد، يسير في خط تصاعدي يمر عبر أربعة مقامات نفسية واجتماعية.
أولاً: مقام الحاجة واستباحة الجسد
لم تملك أي من البطلات الأربع رفاهية الاختيار. بدأت الحكاية بظلم مجتمعي وجوع قاهر وضع الخناق حول رقابهن، ليتحول الجسد إلى الحصن الأخير العاري أمام طاحونة الحاجة وغياب السند.
تضعنا رواية "الحرام" ليوسف إدريس داخل بيئة عمال التراحيل، الطبقة الأدنى والمنسية في الريف المصري. تحمل عزيزة فوق كتفيها زوجاً مريضاً أقعده العجز، وعائلة لا تجد عائلاً، والجوع يغلق كل نوافذ التردد. في المقابل، نرى في "دعاء الكروان" لطه حسين البيئة الصحراوية القاسية، حيث تُطرد العائلة بسبب خطأ الأب. أمام عجز الأم، تُدفع هنادي لخدمة الغرباء في المدينة لتصبح هي الخبز اليومي لعائلتها.
يأخذنا نجيب محفوظ في "بداية ونهاية" إلى قسوة القاهرة بعد الانهيار الطبقي المفاجئ وموت الأب. تمتهن نفيسة الخياطة الشاقة لتسد رمق أسرتها وتمول طموح أخيها الأناني الذي يرى في بدلة الضابط طوق نجاة. أما ريري في "السمان والخريف" لمحفوظ أيضاً، فهي فتاة إسكندرانية هاربة من جحيم عائلتها وأمها التي أرادت تزويجها من عجوز. تجد ريري نفسها بلا مأوى وبلا سند في شتاء قارص، فيصبح جسدها مقايضة مريرة مع سياسي مأزوم ومطرود من جنته السياسية، مقابل سقف يحميها من الشارع.
ثانياً: مقام غياب الوعي وسلطة المستغِل
لم يكن دافع الاستغلال الجنسي لهذه البطلات مجرد شهوة عابرة، بل كان "قهر قوة". المستغل هنا؛ سواء كان ناطوراً، أو مهندساً، أو سياسياً مأزوماً، صياد ذكي يعلم أن هذه المرأة بلا ظهر يحميها، فيشتري انهيارها أو جهلها.
عزيزة في "الحرام" لم تخرج لتساوم بجسدها، بل خرجت بنية طاهرة تقلب الطين بحثاً عن جدر بطاطا. في غمرة حاجتها، اصطادها ناطور الغيط؛ لم يكن الأمر اغتصاباً بعنف حركي، بل كان لحظة استسلام مباغت وانهيار تام للقوى الجسدية والنفسية تحت وطأة الإنهاك الشديد. غاب وعيها تحت صدمة الضعف، لتدفع الثمن حمى نفاس وموتاً وحيدة في الغيط. هنادي في "دعاء الكروان" عاشت بلا وعي، جاهلة بنوايا ذئاب المدينة. ذهبت لبيت المهندس ببراءة ريفية فطرية، فكان سقوطها غدراً خالصاً استغل جهلها، وانتهت بدمائها التي شربتها الرمال.
نفيسة في "بداية ونهاية" امتلكت وعياً بحكم حياتها في المدينة، لكن مأساتها تجسدت في عقدة الدمامة وغياب الجمال. هذا الشعور بالدونية خلق لديها جوعاً عاطفياً مدمراً، فسمحت للآخرين باستغلالها لتشتري شعوراً مزيفاً بالاهتمام، وانزلقت للهاوية بكامل وعيها وبلا قوة تحميها. أخيراً، استغل عيسى الدباغ في "السمان والخريف" ظروف ريري ليفرغ فيها إحباطه وانكساره بعد عزله من منصبه. حين فقد سلطته في الدولة، مارس سلطته وطبقيته على جسد امرأة مستباحة لا ظهر لها، واستهلكها كما يستهلك المجتمع طبقتها مادياً.
ثالثاً: مقام التخلي الأخير
هنا تبرز أبشع مراحل السقوط؛ اللحظة التي يظهر فيها الجنين أو تنكشف النتيجة، فيلتفت المستغل أو المجتمع ليتحول إلى جلاد يقود الضحية إلى حتفها أو طردها.
خال هنادي، الذي توارى عن الأنظار في أوقات الجوع، ظهر فجأة شاهراً سكينه لغسل العار في جوف الصحراء، وسط تواطؤ من الأم التي أكلت من عرق ابنتها. حسنين، شقيق نفيسة، الذي صار ضابطاً بشقاء أخته، رأى فيها فجأة وصمة عار تهدد مستقبله، وبكل دناءة طالبها بالموت وقادها بنفسها لتنتحر غرقاً في النيل هرباً من الفضيحة.
مجتمع عزيزة تركها تواجه الموت وحيدة خائفة، ودفن سرها وجثتها خوفاً من أصحاب الأطيان وسلطة القانون. عيسى الدباغ، وبمجرد أن أعلنت له ريري أنها حامل، ثار جنونه الطبقي ورأى في الجنين تهديداً لاسم عائلته العريق. وبكل قسوة، طردها من البيت في ليلة مطيرة وهي حامل، ليقذف بها إلى الموت الاجتماعي والضياع.
رابعاً: مقام الوعي والترفع (طوق النجاة)
صاغ عمالقة الأدب هذه الحكايات من واقع مجتمعي يستهلك تضحيات المرأة أو يستغل حاجتها. الوعي والإرادة في هذه الملاحم الإنسانية شكلا السلاح الحقيقي؛ عزيزة وهنادي ونفيسة لم يملكنه في الوقت المناسب، فدفعن الثمن من دمائهن وحياتهن.
في المقابل، تظل آمنة في "دعاء الكروان"، وريري في "السمان والخريف"، خيوط النجاة في هذا المقام. آمنة نجت بوعيها ومراوغتها الذكية منذ البداية، وريري، رغم سقوطها الأول وتخلي عيسى عنها، انتفضت بوعي وإرادة لاحقاً، ورفضت الموت، وعملت وربّت ابنتها. وحين عاد إليها عيسى مكسوراً في النهاية يطلب الغفران، ترفعت عليه وواجهته بكبرياء ورفضت أن تمنحه إياه. لقد خرجتا، آمنة وريري، من خلف جدران التخلي حيتين وقويتين، لتعلنا أن الوعي هو المقام الوحيد الذي يصنع الحياة ويحمي الوجود.
إن قراءة هذه المصائر تكشف حقيقة صارخة؛ الجدران التي شيدها المجتمع ليست من حجر، بل من أفكار قادرة على القتل. ومن يملك شجاعة كسر هذه الجدران بالوعي، يملك في الوقت ذاته مفتاح البقاء. تظل هذه الشخصيات الروائية مرايا تعكس ضعفنا وقوتنا، وتدفعنا دائماً للتساؤل: كم من "عزيزة" و"هنادي" و"نفيسة" و"ريري" لا تزال تعيش بيننا، تنتظر وعياً ينقذها من مقامات الموت والتخلي؟

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق