الخميس، 18 يونيو 2026

طيورأفريقيا ... قصة قصيرة

 

ماري موريس

ترجمة/ مها جمال

 

 

ماري موريس كاتبة أمريكية معاصرة ( مايو،14/ 1947, في شيكاغو) أستاذة في كلية سارة لورنس. طبعت أول كتبها، وهي عبارة عن مجموعة قصص قصيرة بعنوان (حيوانات منقرضة، وقصص أخرى). في 1979 في عمر الثانية والثلاثين نالت جائزة روما في الأدب عن الأكاديمية الأمريكية للآداب والفنون. استمرت في نشر  العديد من رواياتها  ومجموعات القصص القصيرة. حررت مع زوجها الكاتب لاري أوكنور انطلوجيا عن أدب الرحلات عند المرأة بعنوان الرحلات البكر(Maiden Voyages). ونالت جائزة (Anisfield-Wolf) في الأدب عن  روايتها قصر الجاز(The Jazz Palace) للعام 2016. تذهب هذه الجائزة للأعمال التي تهتم بقضايا التنوع الثقافي والعنصرية في أمريكا.

لها ثلاث مجموعات قصصية، وإحدى عشرة رواية بين أدب الرحلات والروايات و الأدب القصصي.

في مجموعتها الأولى من القصص القصيرة (حيوانات منقرضة) كتبت موريس عن ذكريات الطفولة والمراهقة. شيكاجو تيربيون وصفتها بأنها حكاءة ناشئة رائعة, دوريس ليسنج الصغيرة. موهبة جديرة بالملاحظة والقراءة. تهتم موريس في قصصها بالعلاقة المتوترة بين البيت والخارج. السفر موضوع مهم في قصصها(حافلة الأحلام- حارس الشاطيء) تتكرر فيها ذكريات سفرها وفي رواياتها أيضا ( لايوجد شيء ليعلن- ذكريات امرأة مسافرة وحدها-الجدار إلى الجدار- من بكين إلى برلين بالقطار- ملائكة وغرباء- رحلة إلى الغرب- نهر الملكة) . وفي روايات (حجرة الانتظار- سماء ليلية- قبضة المنزل) تناولت موريس العائلة مشاكلها وإحباطاتها، ضرورة القبضة الحديدية وفي النهاية الراحة التي توفرها العائلة.

  موريس لديها مدونة تسمى الكاتب والمتجول تكتب فيها عن السفر والأدب. تحتوي المدونة على لوحاتها بالألوان المائية. ترجمت كتبها إلى اللغات الإيطالية- الأسبانية- الألمانية- السويدية واليابانية.

 

طيور إفريقية

قصة قصيرة

 

  بِيت يرى أشياء لا يريد  أن يخبر أحدا بها، لكنها حقيقة. ذات مرة ارتدى حزام الأمان  قبل أن يصدم شخص ما  سيارة أبيه من الخلف. مرة أخرى، في جزيرة "كوني" رفض أن يذهب في رحلة مع أصدقائه،  بالرغم من أنه  قضى اليوم في ركوب القطارات  في مدينة الملاهي وهذا يعتبر مملا  إذا ما قارناه بالرحلة. وباستمرار رفضه أطلق عليه أصدقائه لقب المخنث، لكن بعد أسبوع   طفلان أصيبا في حادث في تلك الرحلة.

هو يرى أشياء أخرى أيضا. أشياء تبدو أكثر إزعاجا. يرى أنه أمه لا تحبه. ربما تحبه بطريقتها، أيا ما تكون الطريقة هي لا تحبه.  فهي تنظر إليه وتتعجب من أين جاءت بمثل هذا الابن. ماذا فعلت لتستحق ذلك؟ هو ينظر داخل روحها ويجد قطعا من الجمر المشتعل.
   بدأ ِبيت يعتقد  في ذلك عندما اقتحم منزل مورتون. عائلة (مورتون)  تسكن في الجوار ولكنه لم يقتحم هذا المنزل من قبل. كالعادة ينتظر بعيدا عن المبنى. فهو يفضل الجيرة في حدود أن يبقى مجهولا بالنسبة لهم. لكن هناك بداية لكل شيء.

     كانت حجرة نومه تطل على شرفة منزل مورتون الخلفية.كان يلاحظهم لأسابيع. يعرف متى تأتي مديرة المنزل (أيام الثلاثاء) ومتى يأخذون كب كيك للتمشية. هذا الصباح ملأوا سيارتهم بالمظلات، الكراسي المطوية، المناشف و أكياس التسوق والمبرِد والذي قد امتلأ بالفراخ المحمرة، سلطة البطاطس والبطيخ.وترموس ليمونادة.و تخيل كل الأشياء التي تأخذها العائلات في نزهة للشاطيء. وعندما  أتخمت السيارة صاح السيد مورتون"هيا يا كب كيك فلنذهب."
    كب كيك كلبة مزعجة ولها رائحة سيئة كسمكة ميتة، لكن وأنت بعيد عنها فهي لطيفة بيضاء كملاك. شعر بيت بالارتياح لذهاب الكلبة. بوضوح لأنه لا يستطيع اقتحام المنزل في وجودها.

     جذب الباب الخارجي بعنف لكنه لم يتزحزح. أدار المقبض يمينا ويسارا. نظر حوله ليتأكد أن  لا أحد يراقبه. بمعنى أن أحد والديه أو أخته كارولين ليسوا موجودين في مكان قريب ليتجسسوا عليه. لم تكن هذه مشكلة في المنازل الأخرى لكنها ربما تكون مشكلة الآن. نظر مليّا حوله مثل  محتال في مشهد جريمة. ثمّ لص مُقّنَع -الذي لم يكن هو. لم يكن لصا حقيقيا على أية حال. لكنه في الحقيقة يأخذ أشياء ليست بالطريقة التي يأخذ بها اللص مسروقاته.هزهز المقبض، ركل الباب. ربما التصق الباب كما يفعل دائما،  لكن هذه المره كان مغلقا. عليه أن يجد طريقة أخرى للدخول. لم يضايقه الباب الأمامي. لأن  من  لديه تفكيرا سليما  سيغلق الباب الخلفي وليس الأمامي؟ ليس السيد "مورتون".

 بِيت أحب السيد مورتون.  فهو رجل كبير ممتليء الجسم، دائما بالخارج، يتخلص من الحشائش في الحديقة، يقذف بالكرة لابنه  المتشنج. كان دائما يقول أشياء مثل"ولد طيب ، مارتي"حتى  لو ترك الولد ذو الست سنوات الكرة تنزلق من يديه.أحيانا يمر بيت بالسيد مورتون عندما يذهب  لتمشية كب كيك في "الصباح الباكر أو في المساء. دائما يلقي السيد مورتون التحية له قائلا"أهلا".


 
     توقف لتجميع أفكاره، حملق في الأرجوحة وقفص الكلب الذي لم تستخدمه كب كيك لأنها تنبح دائما ووالدة بيت تهدد دائما بإبلاغ البوليس المرة القادمة. ويوجد أيضا كرة الحبل . مارتي وسالي   يضربونها  من بعيد. أحيانا كانت سالي تخبطها بعنف في وجه مارتي تجعله يبكي، و تجعل بيت يريد أن يصفعها.

   تجول بيت   في جانب المنزل، حيث وجد  جزء مفتوحا من نافذة. دس  أصابعه تحت النافذة ، وانزلقت  وتمكن من فتحها. سهلة كفطيرة. لوى  إحدى رجليه السميتنين ثم  انزلق بجنبه، وبذلك أصبح  داخل المنزل.

   و قف في المدخل الذي كان مملؤا بالمعاطف الثقيلة والأحذية المثقلة بالطين منذ الشتاء الماضي، كان على بيت  أن يلتقط أنفاسه. ليتدفق الأدرينالين  في جسمه، وانتظر حتى يهدأ... هذا ما يفعله دائما عندما يقتحم منزلا، التنفس ثم  التوقف ليتنفس بعمق.

 
 
      كان المطبخ في فوضى.  أطباق الإفطار مازالت على المنضدة بها بقايا طعام مصنوع من صفار البيض و توست محترق. بالتأكيد خرجوا مسرعين وتواقين للمكان الذي سيذهبون إليه. هذه الفوضى  لم تحدث أبدا من قبل في هذا البيت. لا يخرجون أبدا من البيت إلا بعد غسل كل الأطباق وشطفها و رصها في مكانها. لا شيء موجود في غير مكانه...  فكر بِيت بالتأكيد هذا هو السبب، وهو يقضم كسرة خبز، أن عائلته لم تخرج إلى مكان من قبل.


   لكن يوجد هنا خليط و له رائحة أيضا من القهوة الجافة وربما من القمامة، أو من رائحة الكلب الذي  يحتاج للاستحمام،  وشيء رائحته نتنة قليلا كاللبن .وعلى المنضدة فوضى أيضا. صحف قديمة ومجلات، واجبات مدرسية  فواتير، بريد وكاتالوجات. لا تتعايش أمه مع هذه الفوضى. لو ترك واجب الرياضيات في حجرة الطعام  ليشاهد التلفزيون  ستلقي به بعيدا قبل الفاصل الإعلاني.
 
بِيت شعر بالظمأ، بجفاف فمه. فتح الثلاجة،  شرب عصير البرتقال. تم اتجه إلى حجرة الطعام، والتي كانت اقل فوضى من المطبخ. الوسادة ما زالت على الكنبة والكراسي قريبة من بعضها كما لو كان الناس قاموا من مقاعدهم  في الحال.. أبعدهم بيت.  جسم كب كيك ترك أثره في منتصف الكنبة. لذلك جعلوا الكلبة تجلس على الأثاث الخشبي. يوجد آثار من شعر الكلبة عليه.
 
   في منتصف الحجرة توجد منضدة للعبة كرة القدم للأطفال. و على منضدة لعب الورق  لعبة المكعبات لم تنته. الحافة شبه منتهية, لكن مئات القطع البنية والزرقاء مازالت متناثرة حولها. نظر بِيت إلى الصورة على العلبة. إنها روما القديمة. أخذ قطعة عليها رسمة  قطعة من السماء.


 خبأ في كمه قطع أخرى من البازل ولوحة ألعاب تشبه لعبة بنك الحظ، الندم، الخربشة،أيضا شرائح البوكر، النرد وأوراق اللعب، الخادم العجوز وأيضا  أوراق التاروت أما الكتب كانت بلا ترتيب روايات متناثرة وقصص أطفال . كتاب العالم، أطلس وقاموسين ضخمين، دليل الحقل تقريبا لكل مايخص الزراعة.
  صعد الدرَج, سمع صريرا فتوقف معتقدا أن أحدا  يسير خلفه، لكن الصوت توقف. ضحك ضحكة مكتومة كان صوت خطواته الذي سمعه. حجرة مارتي كانت كأن أعصارا ضربها... توجد نماذج صغيرة لجنود وقطع من حيوانات بلاستيكية  منتشرة في كل مكان. حجرة سالي مثل حجرة مارتي إلا أن لديها فساتين و دمية باربي.
 
   حجرة الوالدين  كانت  منظمة ولكن ليست بالقدر الكبير. مازالت الملابس ملقاة على الكراسي- قمصان،بنطلونات، وملابس داخلية والتي حملق فيها، بدافع الفضول أكثر من الاهتمام الحقيقي. لم يتشمم بيت الملابس الداخلية أو دس في  جيبه قطعة منها ليمتع بها نفسه في الليل. كان يبحث عن رائحة أعمق- رائحة زيوت الجسم والملاءات المتسخة.
السرير مرتب. والأغطية ملقاة على الوسائد، لكنها مازالت غير منمقة. يستطيع القول أنهم لم يجذبوالملاءات من أسفل.  جلس بيت عليهم. المرتبة كانت قاسية من النوع الذي يفضله. بعض الأسِرّة التي كان يصادفها بها كتل أو مترهلة، لكنه أحب هذا السرير على أية حال... نزع الأغطية بدت الملاءات كأنها مغسولة حديثا. ربما لهذا السبب توجد مديرة المنزل. أدخل يديه  بين الأغطية ثم زحف على السرير ونام.أفاق من غفوته بعد نصف ساعة, شعر بالانتعاش. ترك الحجرة لم يتضايق من إعادة  ترتيب السرير.
   في منزله كانت جلسة لعب الورق منعقدة  في مساء السبت أمه وصديقتها إيرين واثنتين لا يعرفهما كانوا يلعبون  الكنستة. رائحة الحجرة كالعادة مليئة بالخمر, الدخان والعطر... لم تنتبه أمه عندما خلط بِيت الأوراق. كان يأمل في التسلل من قبل... تجلس أمه طويلة و أنيقة  وهي مرتدية الكيمونو الحريري, الرمادي وسيجارة مشتعلة بين أصابعها ، نبيذ وماء الصودا أمامها على مفرش . مكتوب على المفرش" العب أو ادفع" . كان لا يعرف هل  تلعب دورها الثالث أم الرابع. الوقت مازال مبكرا حتى مع حلول الساعة الخامسة. ربما تكون هذه جولتها الثالث في اللعب.ستكمل المشروبات ذروتها بانتهاء اليوم لن تسقط على الأرض ولن تشتم، العلامة الوحيدة التي  تدل على أنها أصبحت ثملة أنها تصبح أكثر شراسة. تسأله حتى بدون أن تنظر إليه" يا طفلي ، ماذا  حدث؟"مازالت في  جولتها  الثالثة."ماحدث ليس كثيرا"أجابها بِيت"أنا كنت في الخارج". تسأله " في الخارج أين؟"بيت هز كتفيه "منذ بدء اجتماع النادي""لماذا" تحاول اختباره. لذلك عليه أن يثبت قدميه. في الحقيقة كان لديه اهتمامات كثيرة في سني عمره الثلاثة عشرة، عزف التشيللو,الآلات الأوتوماتيكية.، الرسوم الرمزية، الحشرات وكل ما يتطلب آلات و أدوات أو دروس ولا  يتعلق بشيء أكثر من شهر و اثنين.

البراكين"

نظرت إليه بطريقة غريبة

تعرفين"قال" فوران ثم تطفو اللافا" انتظر ردها، لكنها لم ترد فقط تحملق فيه بعينيها البنيتين" سأذهب لأذاكر الآن."

"تذاكر؟" قالتها في ضحكة مكتومة لصديقاتها و هو يصعد الدرَج"ألن تتوقف هذه العجائب؟"

    في حجرته ذهب إلى الصندوق الذي يحتفظ به خلف خزانة ملابسه. بداخله  فردة من حلق،  وحيد قرن من السيراميك. سلسلة للمفاتيح بلا مفاتيح.  يأخذ دائما  الشيء الصغير- الشيئ الذي ربما يقضي صاحبه ساعات في البحث عنه. يقلب البيت رأسا على عقب. و لا يقدرعلى تذكر أين وضع طبق الفول السوداني أو فتاحة المظاريف.

وضع قطعة صورة السماء في الصندوق و ما هي   إلا مجرد تذكار من المكان الذي ذهب إليه.
    في ليلة  الإثنين استغرق في النوم... لديه اضطراب في النوم, عند النوم على سريره، في الليلة الماضية انقلب وسقط من على السرير. الوقت الوحيد الذي يشعر فيه بالراحة عندما يكون في منازل الآخرين. لا يستيقظ إلا بعد صياح أبيه للمرة الثانية. ثم يسرع ليسحب القميص ويشد الجينز الضيق قليلا. ليس لديه وقت كاف ليغسل أسنانه أو يمشط شعره. يسحب وجبته و ينطلق للخارج.
  عندما دخل الفصل كانت حصته الأولي في مادة الجبر وقد بدأت المسألة الأولى. قطّبت السيدة "جرنولد" في وجه بيت ثم أعطت له المسألة. يستطيع بِيت أن يعرف فيمَ تفكرالسيدة "جرنولد".  فهي تأسف لأن بِيت لايشبه أخته كارولين، التي كانت مثارا للإعجاب. بيت متأكد أن جميع مدرسيه يتحدثون عنه أثناء استراحتهم. ذهب إلى مقعده وحملق في الصفحة... لا يحب الرياضيات.  لاجدوى منها.  يتمنى وجود موادا ليحفظها مثل الأفعال في اللغة الأسبانية أو الأحداث التاريخية. هو جيد في المواد القاطعة و الواضحة.و يصبح عاجزا أمام الجذر التربيعي. لأي شيء. ليست لديه فكرة كيف يحل المسألة. في نهاية الحصة  يتبادل الطلبة الاختبار، وتقرأ السيدة "جرنولد" تعلن الإجابات. ليس عليه أن ينتظر لكي يعرف أنه راسب.


  بعد ظهيرة ذلك اليوم توجه إلى كوينز.في نزهة غير مخطط لها كعادته لا يخطط لشيء، فقط يريد تغيير المنظر. أحس بإثارة وتقريبا بين فخذيه، والتي تشبه النبضات التي يشعر بها كلما بات في  منزل آخر. في منتزه"أوزون" وصل إلى طوبة حمراء وحيدة. ليست هناك سيارت في الطريق ولا توجد أرجوحة في الفناء، لكن العشب منظم بطريقة لطيفة..والشجيرات مشذبة بالتساوي. لابد أن يعيش كبار السن هنا... وحتى الذين مازالوا على رأس عملهم.
 
  الباب الخلفي مفتوح، وهذا غير معتاد من هؤلاء الجيران الهادئين.ليس هناك جرس إنذار، و في دقيقة أصبح في الداخل. هذا المنزل لايشبه في أي شيء منزل عائلة "مورتون"..هؤلاء الناس  أنيقون و نزقون. يشبهونه لكن بطريقة رديئة. الأثاث خشبي رخيص الثمن، الثريات نحاسية. حوض سمك مملوء بالبلي بلا ماء ولا سمك.يفوح الهواء برائحة معطرات الجو وعطر الليمون... تستطيع إجراء عملية جراحية على منضدة المطبخ.هذا ماستقوله أمه.

    وبينما كان يستنشق الهواء، تحولت النبضات التي بين فخذيه إلى رغبة في التبول. في الحمّام وجد سلال من الصابون المعطر، وكريمات وورود مجففة. مناشف يدوية ذات لون أزرق باهت، مزهرية بها زهرة حريرية. بالنسبة لبِيت، الاقتحام والدخول في مثل سهولة استنشاق الهواء. بعد سنوات من الآن المرأة التي ستظهر في حياته(كما تفعل كل النساء) ستشبهه بالكلب البوليسي. وستقول له في ليلة ما على السرير،"أراهنك أنك تستطيع اقتفاء أثري على بعد مئات الأميال"..

   رفع غطاء المقعد، ثم تبول، دفقة من البول الأصفر. أعاد الغطاء لمكانه- بالطريقة التي اعتادت أمه أن تطلبها منه- ثم اندفع. غسل يديه، جففهما بمنشفة  يد زرقاء, لم يعد طيها. ستلوم الزوجة زوجها على عدم طي المنشفة فيما بعد. ثم خطا بِيت ثلاث خطوات قصيرة لحجرة النوم الرئيسية.   السرير أكبر سرير رآه من قبل، بمفارش من البوليستر, وأغطية من البوليستر. ولا يوجد خيط من الألياف الطبيعية في المكان.

   رقد على على الغطاء الخشن وغفا لمدة عشرين دقيقة. بعدها  سوى الأغطية، ونزل إلى الأسفل. وضع في جيبه صبانة، اتجه إلى القطار رقم 7 ، وتوجه إلى المنزل. وعندما وصل للمدخل، كانت أمه جالسة على الكنبة. كانت تشاهد الأخبار وتنفخ في أظافرها، التي كانت قد انتهت من طلائها. كانت تنفخ فيهم كما لو كانت تطفيء حريقا. " إذن أين كنت طوال هذا الوقت؟" سألته أمه.هز بِيت رأسه. "لم أكن في أي مكان"، أجاب."هذا ماتخيلته،" قالت.

     في يوم الأحد  ترتدي عائلة مورتون ثيابها وتستعد للخروج. سالي في ثوب مكشكش تبدو فيه بلهاء، ومارتي في سترة فضفاضة.  والسيدة مورتون  في بلوزة وجونلة. حتى السيد مورتون يرتدي البدلة. لا يذهبون في العادة إلى الكنيسة. ربما يذهبون  إلى زفاف أو جنازة... لكنهم يأخذون كب كيك معهم ويضعونها في الجزء الخلفي من صالون السيارة، حيث الجزء المخصص لها. من المحتمل أن يذهبوا في زيارة لأحد الأقارب لمدة  يوم, أو ربما عيد ميلاد أحد ما.

  عندما تغادر السيارة، يقتنص بِيت الفرصة. يتوجه إلى الأسفل، مارا بأمه، التي تدخن وتقرأ الجريدة. "إلى الخارج" يقول، قبل أن تكون لديها الفرصة لترفع رأسها. يتسلل من خلال السور المحيط بفنائه، وعندما يرى جانب النافذة مفتوحا، يدفع بجسده الممتليء خلالها. و يبدوا  أنهم تركوها مفتوحة عمدا. لدعوته إلى الداخل.

  المنزل كما هو  منذ الأسبوع الماضي.  في حالة فوضى الأطباق على الطاولة، وفي الحوض. طبق واحد  مازال به قطعة لحم خنزير مقدد وخبز، قد انتهى منه، ونقل الأطباق إلى الحوض. في حجرة المعيشة قطع البازل مازالت على المنضدة. لم يحدثوا أي تقدم فيها., تبدو، في الحقيقة، أنهم لم يلبعبوا بها إطلاقا.

    قرر بِيت ان يساعدهم.وضع مؤخرته على الكرسي المنطوي، وبدأ في ترتيب القطع. حرك الأشخاص ذوي السترات إلى اليمين. ولصق  القطع البنية الباهتة والتي من المفترض أن "الكولسيوم" في المنتصف. وفي الأعلى وضع قطع من المصارعين والأسُود- بالرغم من أنه محبط من فكرة أن المسيحيين لم يكونوا طعاما للأسود.

و في الحال بدأت الحوائط المهدمة في ازدياد, عربة السباق  اتخذت هيئتها. لكن بِيت  أصابه الضجر من لعبة البازل, كما يفعل مع معظم الأشياء. ويبدو كأنه يخبط حائطا غير مرئي ولا يستطيع اجتيازه. أطرافه تؤلمه من التعب، كأنه كان يؤدي رياضة مرهقة. هبط فجأة على المقعد، تصفح دليل المجالات.  الدليل إلى السمك، الفراشات، الزهور البرية، الثدييات الشمال أمريكية. ثم وصل إلى الطيور الأفريقية، والتي أخدها من على الرف وفتحها.

لم يعرف بِيت أن هناك أنواعا كثيرة من الطيور بألوان مختلفة. طيور ذات تيجان حمراء زاهية و ذيول أرجوانية ، طيور جارحة ولقالق. طيور  ذات ريش أخضر وأزرق وعينين برتقاليتين كما لو كانت مرسومة. كان يتعجب هل سافرت عائلة مورتون إلى إفريقيا أو أشتروا هذا لأنهم يحبون النظر إلى الصور.

   فجأة أحس بالإجهاد. تمدد، صعد إلى الدور العلوي. ضوء الشمس يشع على حجرة النوم الرئيسية حيث رقد  ومعه الكتاب. يتصفحه، وتعجبه الصور اللامعة، وقبل أن يتعرف عليها، استغرق في النوم. وعندما استيقظ، لم يعد الضوء داخل الحجرة. تساءل  كم من الوقت استغرق نومه، لكنه استراح وانتعش.وعندما نهض ، لم يزعجه تسوية السرير. اتخذ طريقه إلى الأسفل، سمع صوت طنين غريب, إنه صوت باب الجراج.

  لم يتحرك بِيت بسرعة هكذا من قبل في حياته. يشبه الآن خيال الكارتون، بلا وزن. طار إلى الدور السفلي، لم تلمس قدماه الأرض حتى حط على النافذة.هرول خارجا، ثم تقدم إلى جانب المنزل.  اندفع إلى  المنتزه عابرا الشارع.

  في الفناء جلس على الأرجوحة. دقات قلبه كانت سريعة أحس أن قلبه سينكسر. بعد سنوات، وبعدما يمارس الجنس لأول مرة سيشعر بهذا الاندفاع، وسيجعله يفكر في الوقت الذي كان فيه لصا تافها.  ممارسة الجنس  ستجعله دائما يشعر كأنه ارتكب جريمة.

عليه أن يأخذ حذره في المرة القادمة،بِيت فكر في ذلك عندما بدأ يتأرجح. ببطء تاركا قدميه تكشط الأرض، يراقب السيد مورتون يدخل البيت، مع كب كيك في مقودها. نظرت كب كيك لبِيت في أرجوحته ونبحت. يعبر السيد مورتون  الشارع ليدخل المنتزه." أهلا، بِيت"، قال السيد مورتون.

  "أهلا" رد بِيت، ملوحا. عندها اندفعت كب كيك نحوه، ساحبة السيد مورتون. ألصقت أنفها بين رجليّ بِيت، وتتشمم حولها. بينما ضغط بِيت رأس كب كيك لأسفل أراحه السيد مورتون بسحبه لمقودها، "لا، ياكب كيك. كلبة سيئة!"

  لم يدرك بِيت أنه كان يجلس على دليل الحقل إلا بعد أن تحركوا. خبأه في ظهره تحت البنطلون. لم يعرف حتى أنه أخذه، لكن في الحقيقة قد أخذه. انتظر حتى اختفى السيد مورتون ومعه كب كيك، بعدها توجه إلى المنزل.

  "ماهذا؟" تسأل أمه. دخلت المطبخ بينما يحاول التسلل من الباب الخلفي. تشير إلى الكتاب العالق بيديه.

"إنه كتاب. استعرته من صديق."

"أي صديق؟" أخذت نفسا من السيجارة التي في يدها. لم تنتظر رده، تقول، "إذن الآن تهتم بالطيور؟

   من حجرته شم رائحة خبز طازج وفطيرة مقرمشة تُخبز. وهناك رائحة حلوة أيضا. خوخ وكرز. أبوه يخبز مرة ثانية. يرقد بِيت  في السرير، ينظر في صورة لامعة لطائر صائد الذباب الأزرق. مرر أصبعه على  جناحيه ذوي اللون الأزرق الغامق والفاتح.  استنشق رائحة الخبز ووضع الكتاب بجواره. بِيت يحب دائما خبز أبيه. لأنه واحد من الأشياء التي يجيدعملها الأب. كان لابد أن يصبح حلوانيا، وليس رجل أعمال. أبوه يجيد القياس. وهذا ما يحتاجه الحلواني.

انزلق بِيت في تي شيرت متسخ، وسحب بنطلون لم يعد يناسب مقاسه.

لم يثن التي شيرت. في الدور الأسفل يمسك أبوه بنشابة في يده. وعلى الموقد قدر يغلي به قطع من الكرز والخوخ. "حسنا، صباح الخير," قال.

"صباح الخير، أبي."

   "أراهن أنك شممت رائحة الخبز الطازج."           

  "أجل، فعلت."يبتسم بِيت. أبوه رجل لطيف، ويبدو لطيفا لِبيت معظم الأوقات. في الحقيقة، أبوه لطيف مع كل الناس. بِيت لا يستطيع  أن يفهم كيف بقي متزوجا من أمه. ربما يكون الولاء وبِيت مازال صغيرا ليفهم. أو ربما شيء أخر لن يفهمه. لكن معظم الناس تعتقد أن " تيد فيشر" رجل طيب.

   ويرى البعض أنه من الغريب أن يحب صنع الفطائر، ناول الأب بِيت النشابة، وبدأ في فرد العجينة. على طاولة المطبخ  رص قوالب الفطائر. سيخبز والده خبزا وفطائر، ثم يجمدهم لمناسابات خاصة، لعيد الشكر وعيد الميلاد. لا يهم أين سيذهبون، لكن في العادة يذهبون إلى العمة ستلا، ويحضر أبوه الفطائر.

على لوح خشبي مرشوش بالدقيق يفرد بِيت العجينة. يثنيها، يضيف قليل من الدقيق، ثم يبدأ في فردها مرة أخرى.

"إذن ماذا يجري اليوم؟" يسأل الأب.

 

 

    يعرف بِيت أن أبيه يعرف لن يحدث شيئا اليوم."أوه، ليس كثيرا،"يقول  بِيت." لدي امتحان في مادة التاريخ يوم الإثنين.  لذلك احتاج أن أذاكر."

أومأ أبوه، مبتسما"هذا جيد. المذاكرة جيدة... قذف العجينة لأسفل."مهلا" يقول أبوه، التقيت بالصدفة "لاري مورتون بالأمس".

"آه، نعم" يقول بِيت.

"تعرف،  يعتقد أن أحد ا اقتحم منزله."

"حقا؟" فرد بِيت العجينة أكثر، حتى أصبحت مسطحة ورقيقة."تقصد، كلص؟"

"ليس بالضبط. أقصد لم يفقد شيئا..."بدأ الأب بتوزيع الكرز داخل قوالب الفطائر، حيث ينتظر الغلاف. بعد ذلك قطع العجينة إلى شرائط ثم حولها إلى نسيج معقد مثل بساط مزخرف السطح." هو يعتقد أن أحدا كان بالداخل. غريب,هاه؟"

"نعم," يقول بِيت. اقتطع جزء من العجين ودفعها في فمه."غريب".

بعد ذلك دخلت أمه المطبخ, لمحته والعجينة في فمه. نظرت إلى جسمه من أعلى إلى أسفل، وهو يعرف ماذا ستقول من قبل أن تقولها. ستحتاج إلى  حمالة صدر قريبا."

"ريتا, يقول أبوه، لأجل المسيح.

بِيت يعرف أن  هناك خطأ ما في أمه. لايستطيع وضع  يده عليه، لكنه متأكد. عرف ذلك لفترة طويلة من حياته. عندما مات صديقه "جيمي هينز" بسرطان العظام وكان في الصف الثالث،  أخبرته أمه بذلك عندما كان يغسل أسنانه. و في الوقت الذي يجب أن يوضع كلبهم، بابلو، لينام، أرسلته إلى البيطري في سيارة أجرة. حتى وهو طفل، يعرف بِيت أن هذه الطريقة أن هذه الأشياء ليست صحيحة.

الان  تهز أمه أكتافها."حسنا, هذا حقيقي. تستطيع أن تجري حول البناية مرات قليلة، طفلي. ربما تفعل شيئا ما جيد". رأت الكتاب  في يده. "إذن أنت الآن مهتم بالطيور.

بِيت نظر إلى الساعة. إنها تشرب ، ولم تحن الظهيرة بعد.

 

    "كُن شغوفا"  هذا واجبك المنزلي. "تعلم شيئا  بنفسك. لذلك أحضر بِيت  كتاب (طيور أفريقيا). ولتقديم عرضه فتح الكتاب على صور طيوره المفضلة- طائر الشقراق أرجوانية الصدر، البط الزقزاق، وطائره المفضل جدا صائد الذباب الأزرق بجناحيه الفيروزي والنيلي."أراهن لو لم أكن رأيتهم في الحقيقة"، يقول بِيت" كنت تخيلت أنهم زائفين" زملاؤه في الفصل رسموا على مقاعدهم. ولد منهم رسم يده تمسك ببندقية وتتظاهر بإطلاق النار. بعد المدرسة ذهب بِيت إلى منزل في المرتفعات ـــ البيت له ثلاثة أساطير عن الحجر البني وكان يراقبه منذ أسابيع. لم يكن متأكدا لماذا اختاره. أحيانا يعتقد أن المنزل هو الذي يختار بِيت. كل منزل له شيء يقدمه. وهذا يبدو منسيا. مالكوه نادرا ما يدخلوه. يبدو أن لا أحد منهم يهتم بما يحدث هنا.

انزلق للداخل خلال النافذة الخلفية.

    في الداخل، حجرات مظلمة رائحتها متعفنة. ملاءات صفراء رثة تغطي الأثاث. لم يدخل منزلا من قبل أثاثه مغطى بهذه الطريقة، وشعر أنه يسير في مقبرة أشباح. أرعبته الأرضية، لذلك توجه إلى الطابق الأعلى أسرع مما يفعل دائما.  في العادة عليه أن يتريث في الطابق السفلي. نظر إلى الزينة والصور على الحوائط، وبالرغم أنهم متناثرين هنا. لكن ليس الآن.

 بينما كان بِيت يتوجه إلى  حجرة النوم الرئيسة،  نظر نظرة خاطفة لصورته في مرآة الصالة.

كلما نظر إلى مرآة، يرى كل مايشعره أن أمه تراه. ولد ريان ويطلق عليه سمين. بشرته داكنة جدا. وورث مايشار إليه بالأذن الموسيقية. تلك الأذن شفرتها الوراثية تبدو أنها من ناحية الأم وفي نتؤها تبدو كأن أحدهم قرصها.

 

   تمنى بِيت لو لم ينظر لنفسه. قطع على نفسه عهدا أن يتجنب المرايا ماتبقى من حياته. تستطيع أن ترى المستقبل فيهم، أليس كذلك؟ شعر بالتعب. كان لديه أسبوعا طويلا. تأخر في الدخول لمدة عشرين دقيقة هذا الوقت المخصص للنوم. لم يحب حجرة النوم الرئيسة. مازالت فيها الرائحة العفنة لكبار السن. حجرة الولد بها ورق حائط باهت لصورة رعاة  بقر وخيول بلاستيكية منشرة في كل مكان. الخيول مغطاة  بالتراب كما لو أن الولد كبر وذهب  بعيدا.

بعد أيام قليلة من هذا اليوم ستدخل أمه هذه الحجرة( وهذا ماتفعله كلما عادت من المدينة لتتفقد لمنزل وتراجع أطبائها)، ستجد آثاره على سرير ابنها وسيتوقف قلبها. لأن ابنها مات في حادث غرق قارب عندما كان صغيرا، ولم ينم أحد على سريره منذ ذلك الوقت. ستعتقد، لفترة وجيزة، أنه عاد للبيت.

  الحجرة صغيرة وهذا ما أثار إعجابه. تناسبه كقفاز. حدّق بِيت في  في رعاة البقر على الخيول المنتصبة، الحبال الملتفة في الهواء،بينما تسحب لينام. نام تقريبا عشرين دقيقة، ربما تكون نصف ساعة. عندما استيقظ، قرر أن يأخذ واحدا من الخيول البلاستيكية المنظمة، مسح  التراب الذي ينتشرعلى التسريحة، لكن مازال لديه فكرة حسنة عنهم. وعوضا من أن يذهب لحجرة النوم الرئيسة أخذ واحدا  في كُمِه. سيحتفظ الرجل برفيقه لفترة طويلة.

   في  المساء  الباكرعاد بِيت إلى البيت. كان والده ووالدته يجلسان في حجرة الطعام يأخذان شرابهما. المائدة معدة للعشاء، والساعة  ستكون بعد نشرة الأخبار، السابعة،إذا لم تبدأ كارولين ممارسة دلالها متاخرة. بينما بِيت يتجول، سمع والده يتحدث عن نوع من اللصوص عند الجيران."أنا سمعتها في نشرة الأخبار. لكن يبدو أنه لم يأخذ شيئا،"سمع بِيت يقول ذلك."فقط  يزحف على آسرة الآخرين وينام عليها. وجدوا الأسّرة غير مستوية."

"أنت تمزح،" قالت والدته.

"لا، لا أمزح. يسمونه البطل الذهبي."

"البطل الذهبي؟"

"نعم اللص البطل الذهبي. تعرفين، يشبه اللص الذي نام في سريري..."

 

في عطلة أكتوبرية لطيفة رحلت عائلة مورتون. دخلوا السيارة مع الحقائب والكلبة. تخيل بِيت أنهم ذاهبون إلى فيرمونت لمشاهدة أوراق الشجر. هل يتعاركون مع بعضهم البعض؟ هل دائما يقضون أوقاتا طيبة؟ يُراهن أنهم يغنون أغان غبية أو يلعبون لعبة السيارات الحمراء ضد السيارات الخضراء.

 دخل من النافذة الجانبية كما فعل من قبل. حدق في لعبة البازل، مازالت كما تركها. كان يأمل أن تكتمل ليعيد قطعة السماء.لكنه لن يفعل. سيحتفظ بها للأبد. لا يهتمون بهذه اللعبة. ولا حتى يخططون للعبها. وهذا مايفسر مايبدون عليه في كل الأحوال. استأنف من حيث توقف ــ حيث القطع بنية اللون. ذات مرة كانت أمه تلعب جراند كانيون، وتاه بِيت بين السحاب. لكن الآن أصبح لديه نظاما. يبدأ من اللون البيج وبسرعة يرتفع بناء الكولوسيوم حجرا بحجر. سيوضح لهم أنها يمكن أن تكتمل. وفي الوقت الذي سينهي فيه اللعبة. سيترك تلك القطعة جانبا. فقط ليعرفوا أنه كان هنا.

 انغمس تماما لدرجة أنه لم يسمع صوت فتح الباب الأمامي. وعندما انتبه، كان السيد مورتون يقف عند المدخل، يحدق فيه مباشرة."ماذا تفعل في منزلي، يابني؟" قالها السيد مورتون ببطء كما لو كان معه مسجلا يعمل بسرعة خاطئة.

لهث بِيت. يريد أن يقفز، لكنه في القبضة الآن. قلبه يدق بقوة، كمجنون في صدره. يهز رأسه."حقيقة لا أعرف، سيدي"

للحظة حدق الاثنان في بعضهما حتى قرر السيد مورتون أن شيئا ما لا بد أن يتم."حسنا، والديك سوف يعرفان ماحدث."  توهج وجهه، واحتقن."لا يصح أن تقتحم منازل الناس، هل تعرف...الآن اجلس هنا. لا تقدم على الحركة." التقط السيد مورتون الهاتف، لم تقلع عيناه عن بِيت."ما هو رقمك؟"

يتردد بِيت للحظة. "هل يجب أن تحدثهم؟"

يومىء السيد مورتون"أستطيع أن أزورهم." لذلك أخبره بِيت. يطلب السيد مورتون الرقم، لكن الهاتف يرن ويرن." اعتقد أن لا أحد في البيت،" يقول بِيت.

وضع السيد مورتون السماعة." حسنا، ننتظر حتى يأتوا."

توقع بِيت أن يبلغ السيد مورتون البوليس. لكن بدلا من ذلك قدم له الصودا. "هل تحب الكوكا؟ سفن أب؟"

بِيت هز رأسه رافضا، لكن السيد مورتون دخل المطبخ وأخضر لهما كوكا.

"إذن أنت البطل الذهبي؟"

يوميء بِيت بالموافقة." أعتقد ذلك."         

 نظر السيد مورتون إلى الولد، ثم غاص بجسده الكبير في الكنبة. "لدي متاعبي أيضا...." مشط شعره الخفيف، الداكن المنسدل بعيدا عن وجهه."تعرف. عندما كنت في عمرك. كانت لدي مشاكلي. مشاكل صغيرة مع القانون. تصرفات في حالة سُكر. سلوك غير منضبط. وأشياء من النوع. لذلك أعرف بماذا تشعر." وفتح ذراعيه على اتساعهما. "لكني تغلبت عليهم. لم  تكن الأمور سهلة، لكن صنعت حياة لنفسي. وستفعل ذلك أنت أيضا."

"أحاول، سيدي." سيطرت على بِيت الرغبة في التبول. إنه يرتعش بشدة ويخاف أن يبلل بنطاله.

  "ربما تريد بعض المساعدة، يابني"

" نعم، سأفكر في ذلك، يقول بيت، عيناه مازالتا مثبتة على البازل.

 إذن أنت أخذت هذا الكتاب، حقا؟"

بِيت أومأ، ينظر الآن إلى السيد مورتون." هل تريد استرداده؟"

"لا، يمكنك الاحتفاظ به. هل قرأت الجزء الخاص بالطيور البحرية؟"

بِيت هز رأسه نافيا."نظرت فقط إلى الصور."

"حسنا، هذه الطيور النادرة تفقس ليلا في الأماكن التي تكون بها الأضواء كاشفة حول مواقف السيارات والفنادق. يستخدمون القمر للإبحار، وتستمر في الطيران هنا وهناك حتى تسقط من السماء."

"هذا مؤسف جدا،" يقول بِيت، تدفقت الدموع في عينيه. ينتظر أن يقول السيد مورتون شيئا آخر، لكنه لم يقل."هل أستطيع أن أغادر الآن، سيدي؟"

"نعم، أسرع."لوح السيد مورتون باتجاه الباب."لن أخبر والديك. ليس الآن، على أية حال. فلتكن زيارة للتحذيرفقط."

"أشكرك لإعطائي فرصة."بِيت فكر أن يقول شيئا آخر، لكن ليست لديه فكرة. بدلا من ذلك وقف. "آسف لما حدث. لن يحدث مرة أخرى؟"

 "جيد، مسرور لسماع ذلك.راقب الكرة." ثم تظاهر السيد مورتون بأنه يقذف كرة.

ومد بِيت يده اليمنى متظاهرا بالتقاطها."عين على الكرة."ثم، "سأذهب الآن." مر بِيت أمام السيد مورتون الذي ربت على كتفه، ثم إلى الباب الأمامي. جرى إلى منزله، حيث يجلس والده يشاهد الأخبار، وتقرأ والدته لكامو. استراح لأن أحدا لم يرد مكالمة السيد مورتون. ماذا كان سيفعل لو رد أحدهما؟ يبتسم, مستريح جدا لأنه لوح لوالديه، ثم تخطاهما إلى حجرته.

  من الآن فصاعدا، عندما يرى السيد مورتون سيتجنبه. لن يتحدث إليه مرة أخرى. يفتقد قطعة السماء. كان  يريد أن يتسلل لمرة أخيرة ليضع القطعة الأخيرة. الآن لن يفعلها. على أية حال، هو متاكد أنهم لن يخططوا لإكمالها. أو، إذا أرادوا، سوف يلومون الكلبة على ضياع القطعة.  من نافذة حجرته ينظر إلى فناء منزل مورتون ـــ على العشب وباقات الحشائش والمساحات البنية بدأت تسقط أوراق الخريف. خلال سنوات قادمة سيتورط في جرائم حقيقية والتي يذهب للسجن بسببها. يرى نفسه، ينقل أجهزة التلفزيون والاستريو من خلف  شاحنة الأجهزة. سيُعتبرمجرما, لكن سيتم شطب التهم. على الأقل  في قضية واحدة سيقدم والده رشوة للقاضي الفيدرالي. وستصرخ أمه،" كيف تفعل ذلك بي؟"

  يتأرجح الباب الخلفي وينفتح وتخرج سالي ومارتي. تنطلق سالي على العشب، ثم تتسابق إلى كرة الحبل. عليها أن تلاطف مارتي لأنه لا يريد اللعب معها. يعرف ماذا سيحدث. لكنها تقنعه، بطريقتها، أن ستلعب هذه المرة  بلطف. ثم تبدأ سالي باللعب، تخبطها في أمعاء مارتي. يصرخ الولد الصغير، ويبكي. بِيت يراقب  مايحدث مرات ومرات. لماذا لا يتعلم الناس من أخطائهم؟ "هيا," يقول."ماذا بك؟ كيف تتركها تفعل ذلك بك؟" لكن لا أحد يسمع." هيا," يصيح، "كن رجلا." بِيت يسدد قبضته إلى الولد. وفجأة يشعر بالتعب، لذلك يرقد في سريره ويحاول أن ينام.