هل الانتماء للطبقة حق أصيل؟ مقارنة بين صدفة وإليزا في زمن الاصطناع الاجتماعي
المقدمة: من لندن إلى القاهرة، والصراع الذي لا يموت
تبدو مسألة الانتماء الطبقي، في ظاهرها، واحدة من أقدم الأسئلة في تاريخ الاجتماع الإنساني؛ لكنها في الحقيقة سؤال يتجدّد مع كل عصر، ويكتسب وجوهًا جديدة كلما تغيّرت أدوات الفرز الاجتماعي ومعاييره. فبينما تأسست المجتمعات القديمة على طبقات شبه ثابتة تُحدَّد بالميلاد والمهنة والمكانة، جاءت الحداثة لتمنح الإنسان وهم القدرة على إعادة تشكيل ذاته وصورته وموقعه في السلم الاجتماعي، لكنها في الوقت نفسه أعادت إنتاج الحواجز بأساليب أكثر نعومة وخفاء.
من هنا تأتي قيمة العودة إلى عمل مثل بيجماليون (1913) لجورج برنارد شو، ليس بوصفه نصًا مسرحيًا فحسب، بل بوصفه وثيقة اجتماعية تكشف كيف يمكن للغة، بكل ما تحمله من نبرة ودلالة ورمزية، أن تصبح أداةً للفرز والتحكّم، بل ولصنع “بشر” جدد حسب الطلب والمقاس. فإليزا دوليتل، بائعة الورد الشعبية، لم تكن مشروع "تهذيب" لغوي فقط، بل كانت تجسيدًا مرئيًا لفكرة أن الطبقة ليست قدرًا، بل بناء يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه.
هذه الدراسة تحاول إعادة قراءة الصراع الطبقي قديمًا وحديثًا عبر هاتين الشخصيتين، باعتبارهما مرآتين لثقافتين وزمنين، ولحلم الإنسان القديم المتجدد في أن يصنع لنفسه موقعًا يليق به… ولو كلّفه ذلك أن يتمرّد على صورته الأولى.
مسرحية بيجماليون (1913) للكاتب الأيرلندي جورج برنارد شو، ليست مجرد حكاية عن تحول فتاة من بائعة ورد شعبية (إليزا دوليتل) إلى سيدة مجتمع، بل هي دراسة لاذعة لكيفية استخدام اللغة كأداة قاسية للفرز الطبقي. ومع تحويلها إلى المسرحية المصرية سيدتي الجميلة (بطولة شويكار وفؤاد المهندس)، تحوّل العمل ليُجيب على سؤال أعمق: هل ما زال متطلب التغيير الطبقي صعباً كما في الماضي، أم أننا نعيش في زمن "ذوبان الطبقات"؟
2. الصراع القديم: اللغة كحاجز والآباء كرهن
كان محور الصراع في العملين يدور حول فرض المعايير على شخصية تنتمي إلى طبقة دنيا.
بيجماليون (الأصل): كان المفتاح هو علم الصوتيات (Phonetics)، حيث اللغة هي جواز المرور الوحيد للطبقة المخملية في لندن، مما يعكس صرامة المجتمع البريطاني تجاه الطبقات الدنيا.
سيدتي الجميلة (التوطين): تحوّل الصراع إلى السلوك والعادات الاجتماعية. كما يمثل الأب بعضشي (وهو توطين لشخصية الأب دوليتل) الطبقة الشعبية التي يقع عليها ضغط التغيير، مما يعكس صرامة التغيير الطبقي في الزمن القديم.
3. استقلالية إليزا مقابل استسلام صدفة
هنا يكمن الفرق الجوهري الذي يترجم الصراع الطبقي في كل مجتمع:
تمرد إليزا (الأصل): إليزا في نهاية العمل تمردت على معلمها (هيجنز) ورفضت أن تكون مجرد إضافة في حياته، وأثبتت أنها هي من صنعت قيمتها. هذا التمرد ليس مجرد خلاف رومانسي، بل هو رفض لسلطة الرجل والمجتمع الذكوري، وجوهر النقد النسوي الذي أراده شو.
استسلام صدفة (النسخة المصرية): البطلة صدفة تستسلم لطموح الأستاذ كمال وتصبح مكملة له في إطار زواج تقليدي سعيد. هذا يترجم ميل التناول المصري في تلك الفترة إلى الاستقرار الاجتماعي عبر الزواج بدلاً من الاستقلال الشخصي، ويقلل من قوتها كشخصية قائمة بذاتها.
4. الإشكالية الفلسفية: الطبقة كقناع.. والتمرد كمفتاح
هذا التناقض يقودنا إلى الأسئلة الفلسفية التي يثيرها العمل:
أولاً: هل الانتماء لطبقة معينة حق أصيل؟
من منظور العمل، الإجابة هي لا. الطبقة ليست حقاً أصيلاً يولد به المرء، بل هي قناع اجتماعي يمكن ارتداؤه (كما أثبت هيجنز بتغيير نطق إليزا). برنارد شو يهاجم فكرة "الحق الأصيل" الطبقي، ويثبت أن الطبقة ما هي إلا مجموعة من العادات واللغة يمكن محاكاتها، مما يُجرّم الطبقة العليا التي تعتقد أن رقيها حق أبدي.
ثانياً: هل التمرد على الطبقة مفتاح للوصول؟ وهل تقبل الطبقة الجديدة بالمتمرد؟
نعم، تمرد إليزا هو مفتاح الوصول، ولكن ليس للوصول إلى مراكز الطبقة العليا، بل للوصول إلى الاستقلال الشخصي وكرامة الذات. التمرد هنا هو مفتاح تحرير الذات من قيود كل من الطبقة القديمة وسيطرة المعلم.
ومع ذلك، تبقى الإجابة عن الشق الثاني معقدة: إليزا تعلم يقيناً أن الطبقة التي تدربت لتدخلها لن تقبلها حقاً كفرد؛ ستظل دائماً "الفتاة التي صنعتها التجربة". لهذا السبب تختار التمرد والرحيل، لأن الوصول لا يعني بالضرورة القبول الحقيقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق