الثلاثاء، 12 مايو 2026

هيباتيا والقطيع: هل تغيرت الحجارة أم تغير الرماة؟

 


خيوط العنكبوت لا تموت.. بل تتجدد

​بينما نستعد لفتح ملف "هيباتيا السكندرية" في حلقتنا القادمة، لا يمكننا أن نغض الطرف عن الحقيقة المرة: إن "بيت العنكبوت" الذي خنق آخر فلاسفة الإسكندرية لم يندثر، بل أعاد غزل خيوطه ببراعة لتناسب عصرنا الرقمي. فالمأساة لم تكن في غوغاء اعترضوا طريق امرأة، بل كانت في "ثقافة القطيع" التي ترى في العقل المنفرد تهديداً لاستقرار جهلها المريح.

من الرجم بالحجارة إلى الرجم بالكلمات

​قديماً، كان القطيع يحتاج لساحة عامة وحجارة صلبة ليتمم طقوس السحل؛ أما اليوم، فقد استبدل "الرماة" حجارتهم بـ "التعليقات" وحملات التشويه والاغتيال المعنوي. هيباتيا العصر الحديث قد لا تُقتل جسدياً، لكنها تُسحل يومياً في الساحات الرقمية إذا تجرأت على الخروج عن "النواميس" التي رسمها كهنة التريند أو أقطاب المصالح.

فخ "الدراويش" الجدد

​والمفارقة الأكبر في زمننا، أن البعض يخرج من "قطيع" المؤسسة ليقع في فخ "قطيع" المستنيرين الجدد. لقد استبدلنا الحاكم المطلق بـ "القطب الكاريزمي"، وتحول "الانعتاق" من فعل تحرر عقلي إلى "تبعية بزيّ جديد". أصبح لكل فكرة "مريدون ودراويش" لا يناقشون برهانها، بل يقدسون صاحبها. وهنا تكمن المأساة؛ فالعلم الذي لا يمنحك القدرة على السؤال، هو خيط جديد في بيت العنكبوت، مهما بدا براقاً ومختلفاً.

الانعتاق.. فعلٌ فردي لا جماعي

​هيباتيا لم تكن تطلب مريدين، كانت تطلب "عقولاً". لم تكن تبحث عن نفوذ يحميها، بل كانت تبحث عن حقيقة تحررها. الانعتاق الذي ننشده في سلسلتنا ليس دعوة لاتباع قطيع جديد، بل هو دعوة لتمزيق النسيج المهترئ الذي يفرضه المجتمع، أو السلطة، أو حتى أولئك الذين يبيعوننا "الوهم" في ثوب "الاستنارة".

​انتظرونا غداً في رحلة خلف جدران الإسكندرية القديمة، لنكتشف كيف ماتت هيباتيا ليبقى عقلها حراً.. ولنسأل أنفسنا: هل نحن أحرار فعلاً، أم أننا فقط اخترنا القطيع الذي يروق لنا؟

سؤال للنقاش:

"هل تعتقد أننا في عصرنا هذا نملك شجاعة هيباتيا في مواجهة القطيع، أم أننا نفضل البقاء داخل خيوط العنكبوت طلباً للأمان؟"



 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق