مريمة ورقية: هندسة الصمود في أدب رضوى عاشور
تدخل صفحات أدب رضوى عاشور ساحة معركة حقيقية، سلاحها الذاكرة، وضحيتها الجغرافيا، وبطلاتها نساء صِيغن من صبر وعناد. في "ثلاثية غرناطة" ورواية "الطنطورية"، وضعتنا الأديبة الكبيرة أمام ملحمتين متوازيتين؛ ورغم الفارق الزمني بينهما، فإن الجوهر واحد: إعلان التمرد على محاولات الاقتلاع من الجذور ومواجهة سياسات طمس الهوية.
للفهم الدقيق لكيفية سير الأمور في هذين العالمين، علينا تأمل حركة "مريمة" و"رقية"، وكيف قادتا دفة الصمود الإنساني ضد آلات المحو من خلال هندسة حركة فريدة لكل منهما.
مريمة في غرناطة: المقاومة بالانغراس العمودي
في غرناطة، تسيير الدنيا محكوم بآلة عسكرية وسياسية غاشمة تسعى لمحو كل ما هو عربي. يُمنع الحديث باللسان الأصلي، تُحرق المخطوطات، ويُجبر الناس على تغيير أسمائهم وتاريخهم لسلخهم عن هويتهم واقتلاعهم من ماضيهم.
ديناميكية الحركة (الحركة العمودية): لم تكن حركة مريمة صاخبة في الشوارع، بل اتسمت بالانغراس في عمق البيت والتاريخ. عندما أغلق المحتل الفضاء العام وسعى لاقتلاع اللغة والدين، انغرست هي أكثر في تفاصيل الجذور. تحركت كحارسة صامتة تهبط بالهوية إلى أعماق الأرض؛ تخبئ المصحف بين ثنايا الثياب في الخفاء، تطبخ الأكلات الغرناطية الموروثة لتظل رائحة البلاد حاضرة في الأركان، وتتحدث العربية همساً لتضمن بقاء لغة الأجداد في أرواح الأحفاد.
أثر الصمود: شكل أثر مريمة العمودي حائط صد منيع، مما منع ذوبان العائلة في الهوية الجديدة المفروضة قسراً. أثبتت هذه المرأة أن محاولات طمس الهوية تنهار أمام إصرارٍ يحفر في العمق ويحرس ذاكرة المكان.
رقية في الطنطورية: ثورة الذاكرة والامتداد الأفقي
على الجانب الآخر، وفي "الطنطورية"، نواجه الاقتلاع في أبشع صوره عبر التهجير القسري الفوري من الأرض. يسعى العدو هنا لاحتلال الأرض ومحو اسم القرية ووجودها من الخريطة ومن ذاكرة الأجيال عبر تشتيت أصحابها.
ديناميكية الحركة (الحركة الأفقية): واجهت رقية طمس الهوية بحركة أفقية فرضها عليها اللجوء والشتات، من الطنطورية إلى مخيمات لبنان وغربات العواصم. حولت هذا الامتداد الأفقي المفروض قسراً إلى حالة تمرد مستمرة على النسيان. تحمل مفتاح بيتها كوثيقة ملكية عابرة للحدود والمسافات، وتقاوم محاولات طمس قضيتها بسلاح الحكي الذي يمتد أفقياً معها أينما حلت. تعيد رسم الطنطورية بكلماتها يومياً، وتزرع في أبنائها وأحفادها تفاصيل الشجر والبحر، لتجعل من الذاكرة وسيلة دفاعية تنتقل معهم جغرافياً وتمنع اقتلاع الانتماء من قلوبهم.
أثر الصمود: تجلّى أثر رقية الأفقي في صناعة وعي عابر للأماكن والأجيال. لقد أفشلت رهان المحتل على أن المسافات والزمن كفيلان بالنسيان، وجعلت من هويتها الفلسطينية الممتدة صخرة تتحطم عليها كل محاولات الطمس والتزييف التاريخي.
نقاط الالتقاء: فلسفة التمرد في أدب رضوى عاشور
يكتشف القارئ المتأمل الدقة في صياغة رضوى عاشور للشخصيتين. الاقتلاع في "غرناطة" اتخذ طابعاً ثقافياً تدريجياً واجهته مريمة بحركتها العمودية نحو عمق البيت. بينما اتخذ الاقتلاع في "الطنطورية" طابعاً جغرافياً عنيفاً واجهته رقية بحركتها الأفقية عبر الشتات. النتيجة النهائية كانت واحدة: التمرد بالوجود والتمسك بأدق تفاصيل الهوية.
تقدم لنا الشخصيتان درساً وجودياً مفاده أن معركة الشعوب تظل معركة بقاء الهوية والوعي. يخرج القارئ من بين السطور مدركاً أن الشعوب لا تنتهي بالهزيمة، بل تنتهي فقط حين تنجح آلات القهر في محو ذاكرتها واقتلاعها من جذورها التاريخية. رفضت مريمة ورقية حدوث هذا الانهيار بكل كبرياء وعمق.
الميراث الإنساني للمواجهة
إن اختيار رضوى عاشور لهاتين الحركتين، العمودية والأفقية، يعكس رؤية فنية وفلسفية عميقة. الحركة العمودية لمريمة تمثل الحفاظ على الجوهر وسط حصار خانق، وهي تذكرنا بأن القوة تكمن في القدرة على البقاء ثابتاً حين تقتلع الرياح كل شيء. أما الحركة الأفقية لرقية، فتمثل القدرة على التمدد والانتشار والتمسك بالحق رغم التشرد، وهي تذكرنا بأن الذاكرة حين تصبح حقيبة يحملها الإنسان، تستحيل هزيمته.
في عالمنا اليوم، يظل صمود مريمة ورقية منارة تضيء طريق كل من يواجه محاولات المحو. لم تكن هاتان الشخصيتان مجرد أبطال روايات، بل كانتا تجسيداً حياً لقدرة الإنسان على تحويل الألم إلى استراتيجية بقاء، وتحويل الهزيمة العسكرية إلى انتصار ثقافي وتاريخي. تظل كلمات رضوى عاشور محفورة في وعي كل قارئ، لتؤكد أن الهوية صخرة صلبة، والذاكرة هي النهر الذي يغذي هذه الصخرة ويمنع تآكلها عبر الأزمان.
سؤال للنقاش: بين صمود "مريمة" القائم على الحركة العمودية والاختباء في عمق الجذور، وكفاح "رقية" القائم على الحركة الأفقية ونشر الذاكرة عبر الشتات؛ أيّ التمردين ترونه أكثر إرباكاً لسياسات الاقتلاع ومحو الهوية؟ ولماذا؟
#ركن_مها #أدب #رضوى_عاشور #ثلاثية_غرناطة #الطنطورية #تحليل_أدبي #مريمة #رقية
السبت، 16 مايو 2026
أوهن من بيت العنكبوت (7) | مريمة ورقية: تمرد "الأوتاد" ضد الاقتلاع
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق