السبت، 16 مايو 2026

أوهن من بيت العنكبوت (7) | مريمة ورقية: تمرد "الأوتاد" ضد الاقتلاع

 حين نفتح صفحات أدب رضوى عاشور، نحن لا نقرأ مجرد حبر على ورق، إنما ندخل إلى ساحة معركة حقيقية، سلاحها الذاكرة، وضحيتها الجغرافيا، وبطلاتها نساء صِيغن من صبر وعناد. في "ثلاثية غرناطة" ورواية "الطنطورية"، وضعتنا الأديبة الكبيرة أمام ملحمتين متوازيتين؛ ورغم أن بينهما قروناً من الزمان، فإن الجوهر واحد: إعلان التمرد الصارخ على محاولات الاقتلاع من الجذور ومواجهة سياسات طمس الهوية ومحوها.

​ولكي نفهم "كيف تسير الأمور" في هذين العالمين، علينا أن نتأمل حركة "مريمة" و**"رقية"**، وكيف قادتا دفة الصمود الإنساني ضد آلات المحو الجبارة من خلال هندسة حركة فريدة لكل منهما.

​حركة "مريمة" في غرناطة: المقاومة بالانغراس العمودي ضد المحو الثقافي

​في غرناطة، تسيير الدنيا محكوم بآلة عسكرية وسياسية غاشمة تسعى لـ "محو" كل ما هو عربي. يُمنع الحديث باللسان الأصلي، تُحرق المخطوطات، ويُجبر الناس على تغيير أسمائهم وتاريخهم لسلخهم عن هويتهم واقتلاعهم من ماضيهم.

​ديناميكية الحركة (الحركة العمودية): حركة مريمة لم تكن حركة صاخبة في الشوارع، بل كانت حركة "عمودية" تتجه نحو العمق والداخل. عندما أغلق المحتل الفضاء العام وأراد اقتلاع لغتها ودينها، انغرست هي أكثر في عمق بيتها وتاريخها. تحركت كالحارسة الصامتة لتهبط بالهوية إلى جذور الأرض؛ تخبئ المصحف بين ثنايا الثياب في الخفاء، تطبخ الأكلات الغرناطية الموروثة لكي تظل "رائحة البلاد" حاضرة في الأركان، وتتحدث العربية همساً لتضمن ألا تُطمس لغة الأجداد في أرواح الأحفاد.

​الأثر: أثر مريمة العمودي كان بمثابة "حائط صد" ومنيع عمق الجذور، مما منع ذوبان العائلة في الهوية الجديدة المفروضة قسراً، لتثبت أن محاولات طمس الهوية تفشل تماماً أمام امرأة قررت أن تحفر في العمق لتظل حارسة لذاكرة المكان.

​حركة "رقية" في الطنطورية: ثورة الذاكرة والامتداد الأفقي ضد الاقتلاع الجغرافي

​على الجانب الآخر، وفي "الطنطورية"، نواجه "الاقتلاع" في أبشع صوره: التهجير القسري الفوري من الأرض. هنا، يسعى العدو ليس فقط لاحتلال الأرض، بل لـ "محو" اسم القرية ووجودها من الخريطة ومن ذاكرة الأجيال عبر تشتيت أصحابها.

​ديناميكية الحركة (الحركة الأفقية): رقية واجهت طمس الهوية بحركة "أفقية" جغرافية فرضها عليها اللجوء والشتات، من الطنطورية إلى مخيمات لبنان وغربات العواصم. لكنها حولت هذا الامتداد الأفقي المفروض قسراً إلى حالة تمرد مستمرة على النسيان. تحمل مفتاح بيتها كوثيقة ملكية عابرة للحدود والمسافات، وتقاوم محاولات طمس قضيتها بسلاح "الحكي" الذي يمتد أفقياً معها أينما حلت. تعيد رسم الطنطورية بكلماتها يومياً، وتزرع في أبنائها وأحفادها في الشتات تفاصيل الشجر والبحر، لتجعل من "الذاكرة" وسيلة دفاعية تنتقل معهم جغرافياً وتمنع اقتلاع الانتماء من قلوبهم.

​الأثر: أثر رقية الأفقي تجلى في صناعة "وعي عابر للأماكن والأجيال". لقد أفشلت رهان المحتل على أن المسافات والزمن كفيلان بالنسيان، وجعلت من هويتها الفلسطينية الممتدة صخرة تتحطم عليها كل محاولات الطمس والتزييف التاريخي.

​كيف تلتقي الخيوط؟ الأثر المشترك لبطولات رضوى عاشور

​إن القارئ المتأمل يكتشف العمق والدقة في صياغة رضوى عاشور للشخصيتين؛ فالاقتلاع في "غرناطة" كان ثقافياً وتدريجياً واجهته مريمة بـ حركتها العمودية نحو عمق البيت والجذور، وفي "الطنطورية" كان الاقتلاع جغرافياً وعنيفاً واجهته رقية بـ حركتها الأفقية بالذاكرة والمفتاح عبر الشتات، لكن الرد في النهاية كان واحداً: التمرد بالوجود والتمسك بأدق تفاصيل الهوية.

​الأثر الأكبر لهما هو تقديم درس وجودي: أن المعركة مع المحتل هي معركة "بقاء الهوية والوعي" أولاً. ومن هنا، يخرج القارئ وهو مدرك تماماً أن الشعوب لا تنتهي بالهزيمة، بل تنتهي فقط عندما ينجح الآخرون في محو ذاكرتها واقتلاعها من جذورها التاريخية.. وهو ما رفضت مريمة ورقية حدوثه بكل كبرياء وعمق.

​سؤال للنقاش:

بين صمود "مريمة" القائم على الحركة العمودية والاختباء في عمق الجذور، وكفاح "رقية" القائم على الحركة الأفقية ونشر الذاكرة عبر الشتات؛ أيّ التمردين ترونه كان أكثر إرباكاً لسياسات الاقتلاع ومحو الهوية؟ ولماذا؟


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق