في مسرحية "بجماليون" للكاتب جورج برنارد شو، تبرز شخصية "إليزا دوليتل" كواحدة من أكثر النماذج الحية على قدرة الذات الإنسانية لرفض التشييء والتحول إلى مجرد أداة في يد الآخرين. إن حركتها عبر فصول المسرحية ليست مجرد انتقال من طبقة اجتماعية إلى أخرى بفعل تغيير المظهر واللسان، بل هي رحلة انتزاع للاعتراف والكيان المستقل.
أولاً: رصد حركة الشخصية (من العشوائية إلى الانضباط الصارم)
تتحرك "إليزا" في فضاء النص عبر مستويات مادية ولغوية متصاعدة تترجم تحولها:
- الحركة العشوائية ولغة الشارع (الكوكنية): تبدأ إليزا حركتها في قاع المجتمع كبائعة زهور في شوارع لندن (سوق كوفنت غاردن). حركتها هنا حركة فوضوية، حرة، ومحكومة بغريزة البقاء. لغتها هي "الكوكنية" (Cockney)—تلك اللهجة الهجينة والمشوهة التي تنطق بها الطبقة العاملة والفقيرة—وسلوكها بدائي، لكنها تمتلك مساحتها الخاصة وسط الشارع وتدافع عنها رغم عوزها.
- الحركة المقيدة في المختبر (الانتقال للغة الصفوة): تنتقل إليزا إلى بيت البروفيسور "هيجينز" لتخضع لتجربة لغوية وسلوكية صارمة. في هذه المرحلة، تصبح حركتها محاصرة داخل جدران المعمل؛ حيث ينتزعها هيجينز من الكوكنية ليدربها بقسوة على الإنجليزية الفصحى، وهي "لغة الصفوة والمجتمعات الراقية" بنطقها الملكي الصارم. تتحرك هنا ككائن يُعاد صياغته آلياً، مجرد قالب يُصنع لتكون "دوقة" مزيفة وسط الطبقات المخملية.
- الحركة المستقلة والواعية: بعد نجاح التجربة في الحفل، تخرج إليزا من طور "الآلة" التي تنفذ التعليمات. تبدأ حركتها باتخاذ مسار منفصل تماماً عن إرادة صانعها (هيجينز). تتوقف عن الانصياع، وتتحرك بندية واضحة، متجاوزة جدران المختبر لتعلن عن وجودها كإنسان كامل الأهلية.
ثانياً: تمرد إليزا (رفض التشييء والامتلاك)
التمرد عند إليزا يتجاوز فكرة الارتقاء الطبقي؛ إنه تمرد ضد فكرة "الخالق والمخلوق" التي حاول هيجينز فرضها عليها:
- رفض دور "التحفة الفنية": يتبلور تمرد إليزا في اللحظة التي تدرك فيها أن "هيجينز" وصديقه "بيكيرنغ" يتعاملان مع نجاحها كإنجاز شخصي وعلمي لهما، متجاهلين كيانها الإنساني. تمردها يبدأ بفعل مادي رمزي (قذف الحذاء في وجه هيجينز)، وهو إعلان صارخ عن رفضها أن تكون مجرد "أداة" أو "لعبة" تنتهي صلاحيتها بانتهاء التجربة.
- المواجهة والندية اللغوية: المفارقة الكبرى تكمن في أن إليزا استخدمت السلاح الذي صنعه هيجينز نفسه—وهو "لغة الصفوة والمجتمعات الراقية"—ليس لتندمج في هذا المجتمع الأرستقراطي، بل لتقف به نداً أمام صانعها. تمردها هنا يكمن في قلب الطاولة؛ إذ تعلن قدرتها على الاستقلال بل وتدريس هذه اللغة للآخرين، مكسرةً بذلك احتكار هيجينز للسلطة والمعرفة ومجردة إياه من ميزته الأبوية.
ثالثاً: الأثر والنتيجة
- التحول من "الصنم" إلى "الإنسان": الأثر المباشر لتمرد إليزا هو إخفاق أسطورة "بجماليون" التقليدية. الصنم لم يستيقظ ليكون تابعاً ومحباً لصانعه، بل استيقظ ليكون حراً ومستقلاً عنه. لقد استردت إليزا كرامتها الإنسانية ورفضت العودة إلى حظيرة الطاعة.
- أزمة المصير والعتَبة الجديدة: ينتهي الأثر بوقوف إليزا على عتبة جديدة تماماً؛ لم تعد بائعة الزهور الجاهلة بلغة الكوكنية، ولم تعد الدوقة المزيفة المستكينة بلباسها الملكي. الأثر النهائي هو نضوج وعيها بذاتها، وامتلاكها القدرة على اختيار طريقها الخاص بعيداً عن أسر جدران المختبر وزيف المجتمع الأرستقراطي الذي عرى التمرد كل أقنعته.
يبقى السؤال: هل بإمكان الإبداع أن يمسك بمنتجه.. حتى بعد إطلاق سراحه؟


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق